الرئاسة العامة لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي | إدارة الأمن الفكري
إدارة الأمن الفكري
نـخـتـار لـك
إطلاق التكفير بدون ضوابط ( 2 )

لقد جاءت النصوص الزاجرة عن هذا المرتع الوخيم والمسلك المشين:

*يقول سبحانه :(فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)النساء 94

*وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما  قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  أنه قال "إذا قال الرجل للرجل يا كافر فقد باء به أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه".

*وفيهما من حديث أَبي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عنْهُ أَنَّهُ سمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم يَقُولُ: "منْ دَعَا رَجُلاً بالْكُفْرِ، أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ، ولَيْس كَذلكَ إِلاَّ حَارَ علَيْهِ".

وقال صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم "مَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ "

وعلى هذا المنهج الناصع الوضيء سار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: خرَّج الإمام أحمد والطبراني وغيرهما عن أبي سفيان قال:(( سألت جابرً ا وهو مجاور بمكة: هل  قال كنتم تزعمون أحدً ا من أهل القبلة مشركًا ? فقال: معاذ الله! وفزع لذلك, فقال هل كنتم تدعون أحداً كافراً..؟قال:لا!)).

مسلك عدم المجازفة بالتكفير:

وعلى هذا المسلك المشرق  سار السلف الصالح رحمهم الله, فوضعوا لهذا الحكم أصولًا وشروطً وضوابط, ورسموا له حالات وموانع, لابدّ من  مراعاتها والتثبت فيها, وما ذاك إلَّا لخطورتها ودقتها, وأهمها: أن التكفير حكم شرعي, ومحض حق الله سبحانه ورسوله.

يقول العلامة إبن القيم رحمه الله:

الْكفْر حق الله ثمَّ رَسُوله ... بِالنَّصِّ يثبت لَا بقول فلَان

من كَانَ رب الْعَالمين وَعَبده ... قد كفراه فَذَاك ذُو الكفران

- يقول الامام الطحاوي رحمه الله ((ولا نكفر أحدً ا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله)).

- قال ابن ابي العز رحمه الله ((إن باب التكفير وعدم التكفير باب عظمت الفتنة والمحنة فيه, وكثر فيه الافتراق, وتشتت فيه الأهواء والآراء, وتعارضت فيه دلائلهم, فالناس فيه على طرفين ووسط)).ثم قال((وإنه لمن أعظم البغي أن يُشهَد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمُه بل يخلّده في النار!)).

- وقال الامام النووي رحمه الله ((اعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا يكفّر أحد من أهل القبلة بذنب, ولا يكفّر أهلُ الأهواء والبدع))

- ويقوا القرافي رحمه الله:((كون أمر ما كفرًا, أيّ أمرِ كان, ليس من الأمور العقلية, بل هو من الأمور الشرعية, فإذا قال الشارع في أمر ما هو كفر; فهو كفر))

- يقول شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله((فلهذا كان أهل العلم والسنة لا يكفّرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم, إذ الكفر حكم شرعي,فليس للإنسان أن يعاقب بمثله, كمن كذب عليك وزن ى بأهلك, ليس لك أن تكذب عليه ولا تزن ي بأهله; لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى, وكذلك التكفير حق الله, فلا يكفر إلَّا من كفره الله ورسوله)).

- وقال الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ((بالجملة فيجب على كل من نصح نفسه ألَّا يتكلم في هذه المسألة إلَّا بعلم وبرهان من الله, وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله; فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين, وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة)).

الله وأكبر هذا هو ورع السّلف في هذا الباب, فكيف يسوغ بعد هذه النقول كلها لمن لم يبلغ في مقدار علمهم وفضلهم نقيرًا ولا قطميرا أن يتجاسر على المسارعة إلى الحكم بالكفر الصراح في حق إخوانه المسلمين جملة وتفصيلًا ?! عياذا بالله عياذا!

 

المصدر/ كتاب : تيسير الوهاب في علاج ظاهرة الإرهاب .

لمعالي الشيخ أ.د. / عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس